نصف وجه بقلم الأديبة صفية جابر عبد الرحمن
نصف وجه في المرآة
لم أعد أرى وجهي كاملًا منذ زمن،
كلما وقفتُ أمام المرآة، انعكس نصفٌ واحد فقط، وكأنّ الزجاج قرر أن يحتفظ بجانبه الآخر لنفسه،
في البداية ظننتها خدعة ضوء، أو خطأ في الزاوية، لكن لا...
كان هناك شيء مكسور في داخلي قبل أن تنكسر المرآة من حولي.
النصف الذي أراه هادئ، متماسك، يحمل ابتسامة خفيفة تليق بامرأةٍ تعلم كيف تخفي العواصف خلف عينيها،
أما النصف الآخر، المختفي في الغياب، فكنت أشعر به يتنفس خلف الزجاج، يتألم بصمت، كأنه يراقبني من عالمٍ آخر
أحيانًا كنتُ أمدّ يدي لألمسه،
لكن أصابعي تلامس البرودة فقط، برودة لا تشبه الزجاج، بل تشبه الغياب.
كل ما حولي صار يشبه تلك المرآة:
الطرق نصفها مضاء، والنصف الآخر غارق في الظلال،
الأحاديث تبدأ دافئة وتنتهي ببرودةٍ لا تُفسَّر،
والقلوب من حولي تمضي بنصف نبضٍ، كأنّها نسيت كيف تحبّ بكاملها،
في المساء، حين يهدأ كل شيء،
أجلس أمام المرآة من جديد،
أشعل شمعة، وأنتظر أن يعود نصف وجهي الآخر، ذلك الذي تركني يوم ترك هو البيت دون وداع.
قال لي حينها:
أنتِ قوية بما يكفي لتكملي وحدك
ولم يعلم أنه حين خرج، أخذ معه نصف الضوء، ونصف ملامحي أيضًا.
ذات ليلة، هبّ نسيم خفيف، وارتعشت الشمعة،
فرأيت في المرآة لحظةً عابرة وجهه ينعكس إلى جواري،
لم يكن كاملًا أيضًا — نصف ابتسامة، ونصف ظلّ، ونصف ذكرى،
مددتُ يدي، لا لألمسه، بل لأقول له في صمت:
ما عاد ينقصني نصفك... تعلمتُ أن أكون وجهي كلّه
في الصباح، حين أشرقت الشمس،
رأيت وجهي كاملًا لأول مرة منذ رحيله.
ابتسمتُ له، لا للمرآة.
#بقلم /صفية جابر عبدالرحمن.
تعليقات
إرسال تعليق